محمد الغزالي

147

خلق المسلم

والحديث : « إن اللّه لا يرضى لعبده المؤمن ، إذا ذهب بصفيّه من أهل الأرض فصبر واحتسب ، بثواب دون الجنة » « 1 » . وينبغي أن لا يعزب « 2 » عن البال أن كل شيء نرتبط به ونزعم لأنفسنا حقا فيه ، فإن رباط اللّه به أوثق ، وحق اللّه فيه أسبق . من أقرب للمرء من ولده ؟ إن ولد الإنسان آثر شيء لديه ، وأحبه إليه . عن طريقه وجد ، وفي حجره عاش ، وإنه ليرى فيه امتداد نفسه ، وقطعة من حسه ، فإن سطا عليه الموت هتف الأب الثاكل : ولدي . ولكن صوت الحق قبل هتاف الحزن يجعلنا نقول : إذا كان الأب فقد ولده ، فإن الملك استرد عبده . إن الذي فتح هذه العيون على أنوار الحياة هو الذي أغمضها ، والذي نمّى هذا البدن بضرب النعماء هو الذي يعيده إلى معدنه الأول . . . إلى التراب . إذا قال الوالد : ولدي . قال الموجد : عبدي ، أنا - قبل غيري - أولى به وأحق . عن القاسم بن محمد قال : « هلكت امرأة لي ، فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها فقال : إنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه ، عالم عابد مجتهد ، وكانت له امرأة كان بها معجبا فماتت . فوجد عليها وجدا « 3 » شديدا حتى دخل في بيت وأغلق على نفسه واحتجب . فلم يكن يدخل عليه أحد . فسمعت به امرأة من بني إسرائيل فجاءته فقالت : إن لي حاجة أستفتيه فيها ، ليس يجزيني إلّا أن أشافهه بها . ولزمت بابه ! فأخبر بها . فأذن لها فقالت : أستفتيك في أمر . قال : وما هو ؟ قالت : إني استعرت من جارة لي حليا . فكنت ألبسه زمانا ، ثم إنها أرسلت تطلبه ، أفأرده إليها ؟ قال : نعم واللّه ! ! قالت : إنه قد مكث عندي زمانا ! ! فقال : ذاك أحق لردك إياه ! فقالت له : يرحمك اللّه ، أفتأسف على ما أعارك اللّه ثم أخذه منك ، وهو أحق به منك ؟ ؟ فأبصر ما كان فيه ، ونفعه اللّه بقولها » « 4 » . * * *

--> ( 1 ) النسائي . ( 2 ) يعزب : يغيب . ( 3 ) وجد : حزن . ( 4 ) مالك .